إلى امانة المنطقة الشرقية .. مع التحية العِبرة بتمام الأمر.. لا بحُسن ابتدائه

بقلم: عبدالباسط إبراهيم الفقيه
مشروع ممشى همس على كورنيش الدمام … ومشروع تطوير شارع فاطمة الزهراء بحي عبدالله فؤاد … ومشروع ممشى جبل المريكبات … وغيرها من مشروعات التشجير وتحسين المشهد الحضري … بدأت بصورة جميلة تبعث على التفاؤل … وأشجار غُرست لتضيف إلى المكان خضرةً وحياةً وجمالًا … وتمنح المدينة وجهًا أكثر بهجة وإنسانية.
لكن بعض تلك الأشجار تقف اليوم يابسةً في مواقعها … بعد أن كان يُنتظر منها أن تكبر وتخضر وتظلّل المكان .. و مشهد كهذا يفرض سؤالًا مشروعًا لا عن أهمية التشجير ــــــــ فهي أهمية لا خلاف عليها ـــــــ ولا عن قيمة الجهود التي تبذلها أمانة المنطقة الشرقية في تحسين المشهد الحضري … وهي جهود محل تقدير … وإنما عن الحلقة الأهم التي تأتي بعد الغرس:
من يتابع الشجرة بعد أن تُزرع ؟ ومن يضمن بقاءها حيّة حتى يتحقق الهدف الذي زُرعت من أجله؟
لقد أسعدنا أن نرى هذه المشروعات وهي تبدأ … وأن نشاهد الأشجار تمتد على جوانب الطرق وأن تبدأ ملامح الخضرة في الظهور في مواقع كانت بحاجة إليها … فالتشجير ليس ترفًا بصريًا … بل عنصر مهم في تحسين جودة الحياة.. وتلطيف البيئة .. وتعزيز جمال المدينة وراحة مرتاديها .
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم … ماذا حدث بعد ذلك؟
مرت الأيام … وبدأ الذبول يحل محل الاخضرار .. والجفاف محل الحيوية .. حتى مات عدد من الأشجار .. وبقي بعضها واقفًا في مكانه شاهدًا على أن البداية الجميلة وحدها لا تكفي و هنا يأتي السؤال الأهم :
هل ينتهي مشروع التشجير بمجرد غرسها ؟
بالتأكيد لا .
فغرس الشجرة ليس نهاية العمل … بل هو بداية المسؤولية … بداية لمشوار لتأهيل تلك المناطق .
والواقع أن تلك المشاريع تُعد أكبر شاهد على ما نقول … فقد تحولت بعض الأشجار التي زُرعت والمناطق الخضراء من مظهرٍ أخضر يبعث على التفاؤل إلى أشجار يابسة … فالتشجير لا ينجح بالغرس وحده .. بل يحتاج إلى متابعة ورعاية وصيانة مستمرة فالشجرة بعد غرسها تحتاج إلى عناية … وري منتظم … ومراقبة مستمرة … وتقليم … وتسميد… ومعالجة عند ظهور علامات الضعف … كما تحتاج إلى التأكد من ملاءمة نوعها لطبيعة المكان والطقس والتربة … وإذا ماتت شجرة … فمن الطبيعي أن تُزال وتُستبدل بأخرى …. حتى تبقى الصورة التي خُطط لها مكتملة ومستدامة.
أما أن تُغرس الأشجار ثم تُترك حتى تذبل وتموت … فإننا بذلك نخسر أكثر من مجرد شجرة … نخسر الجهد والمال والوقت و الأثر الحضري الذي أنشئ المشروع من أجله … الأشد إيلامًا أن يتحول المشروع الذي أُنشئ لتحسين المشهد البصري إلى مشهد يحتاج هو نفسه إلى معالجة … فالشجرة اليابسة في ممشى أو شارع مطوّر لا تحقق الغاية من التشجير … بل قد تصبح عنصرًا يشوّه الصورة التي جاء المشروع لتحسينها.
ولا ينبغي أن يُفهم من هذا الحديث على أنه انتقاص من جهود أمانة المنطقة الشرقية .. بل العكس تمامًا .. فتقدير الجهد هو ما يدفع إلى المطالبة بالمحافظة عليه .. والمشروع الجميل يستحق متابعة تليق به .. وما أُنفق عليه من مال وجهد يستحق أن يُصان حتى يحقق غايته كاملة.
نحن اليوم لا نحتاج فقط إلى ثقافة التشجير … بل إلى ثقافة استدامة التشجير فالنجاح الحقيقي ليس في أن نقول: زرعنا ألف شجرة … و أنما أن نستطيع بعد عام أو عامين أن نقول: هذه الأشجار ما زالت حية … تنمو … وتظلّل الطريق… وتجمّل المدينة … ويستفيد منها الناس .
وهنا يكمن الفرق بين إنجاز المشروع وإنجاز أثره فقد ينتهي المقاول من الغرس … وقد تُغلق بنود التنفيذ … و تُلتقط الصور التي توثق اكتمال الأعمال .. وينشر فلم وثائقي عند تدشين المشروع … لكن المواطن لا يعنيه كل ذلك بقدر ما تعنيه النتيجة التي يراها أمامه كل يوم … فالمشروع بالنسبة له ليس أوراقًا ومحاضر استلام … بل شجرة يستظل بها … وممشى يستمتع به .. ومشهد حضري يراه أمام منزله وفي طريقه .
وقفة عابرة …الغرس إنجازٌ ناقص مالم تتبعه العناية
الأشجار التي ماتت ليست مشكلة يصعب علاجها … و لا تحتاج إلى مشروع جديد بقدر ما تحتاج إلى متابعة جادة للمشروع القائم فالحل بسيط إذا حضرت المتابعة … حصر الأشجار المتضررة .. ومعرفة أسباب موتها .. وإزالة اليابس منها .. واستبداله بأشجار ملائمة للبيئة المحلية .. ومراجعة شبكة الري وبرامج الصيانة .. ثم المتابعة الدورية لضمان عدم تكرار المشهد … والأهم من ذلك أن تتحول المتابعة إلى منهج دائم في جميع مشروعات التشجير … بحيث تبدأ خطة الصيانة منذ اليوم الأول للمشروع … ويصبح بقاء الأشجار ونموها جزءًا من مؤشرات نجاح المشروع لا أمرًا يأتي بعد اكتماله .. فالمشروع الحقيقي لا ينتهي عندما يغادر المقاول الموقع .. بل عندما يستقر أثره في المكان ويستمر.
إننا نثمّن كل شجرة تُزرع في مدننا … وكل مبادرة تجعل شوارعنا و طرقنا أكثر خضرة وجمالًا … ولذلك يحزننا أن نرى شجرة زُرعت بالأمس أملًا في مستقبل أخضر .. ثم نراها اليوم يابسة بلا حياة .
رسالتنا لأمانة المنطقة الشرقية ليست سوى دعوة لاستكمال الجميل و المحافظة عليه …فغرس الأشجار إنجاز… لكن بقاءها حيّة هو الإنجاز الحقيقي … فإذا كانت الصور توثق لحظة إنجاز المشروع … فإن الأشجار الحيّة بعد سنوات هي الوثيقة الأصدق على نجاحه … وفي النهاية تبقى القاعدة الأصدق : العِبرة بتمام الأمر…لا بحُسن ابتدائه .






