الجبيل… الفصل المنسي في بداية رحلة النفط السعودي
منها وصل أوائل الجيولوجيين، وفيها أُقيمت قاعدة الاستكشاف الأولى، ومنها انطلقت أعمال المسح البري والجوي

✍🏻 بقلم: محمد خليفة البوعينين
مستشار سياحي وباحث في تاريخ المنطقة الشرقية
حين تُروى قصة النفط في المملكة العربية السعودية، يتجه الحديث غالبًا إلى بئر الدمام رقم 7، المعروف بـ«بئر الخير»، الذي تدفق منه النفط بكميات تجارية عام 1938م، فكان نقطة التحول الكبرى في تاريخ الاقتصاد السعودي.
وهذه حقيقة راسخة لا خلاف عليها، غير أن مرحلة مهمة سبقت الحفر والاكتشاف، وشكّلت البداية الفعلية لرحلة البحث عن النفط على أرض المملكة؛ وكانت مدينة الجبيل مسرح تلك المرحلة وقاعدة انطلاقها.
ففي الجبيل نزل أوائل الجيولوجيين، ومنها خرجت طلائع الاستكشاف إلى صحارى المنطقة الشرقية، وفيها أُقيم أول مقر ميداني لأعمال الشركة، واستُقبلت أول طائرة خُصصت للمسح الجوي، قبل أن ينتقل مركز الثقل تدريجيًا إلى قبة الدمام، حيث تحقق الاكتشاف التاريخي.
والحديث عن دور الجبيل لا ينتقص من مكانة الظهران أو بئر الدمام رقم 7، بل يستكمل الرواية، ويربط بين مكانين متكاملين: مكان بدأت منه رحلة البحث، ومكان انتهت فيه إلى الاكتشاف.
من جدة إلى ساحل الجبيل
في 29 مايو 1933م، وقّعت حكومة المملكة العربية السعودية اتفاقية الامتياز النفطي مع شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» المعروفة اختصارًا باسم «سوكال»، وهي الشركة التي أنشأت لاحقًا شركة «كاليفورنيا العربية للزيت القياسي – كاسوك»، التي عُرفت بعد ذلك باسم «أرامكو».
وبعد أقل من أربعة أشهر، وتحديدًا يوم السبت 23 سبتمبر 1933م، وصل الجيولوجيان الأمريكيان روبرت بيري «بيرت» ميلر وشويلر «كروغ» هنري إلى الجبيل قادمين من البحرين على متن قارب تابع للجمارك السعودية.
وكان برفقتهما مهندس التعدين الأمريكي كارل تويتشل، الذي سبق أن درس موارد المياه والمعادن في المملكة، ومحمد علي الطويل، مسؤول الجمارك وممثل الحكومة السعودية في المنطقة.
استقبل أهل الجبيل القادمين الجدد، واحتشد معهم عدد من سكان البادية والزوار القادمين من المناطق المجاورة. وبعد أداء واجب التحية وزيارة أمير المنطقة، لم ينتظر الجيولوجيان طويلًا؛ فقد توجها في اليوم نفسه إلى جبل البري، الواقع على مسافة تقارب 12 كيلومترًا جنوب الجبيل، في أول رحلة جيولوجية ميدانية لهما داخل المملكة.
تحرك الفريق في سيارتين أحضرهما كارل تويتشل من جدة، لكن الرمال أعاقت تقدمهما، فاستُخدمت الإبل لإكمال الطريق. وهكذا بدأت رحلة البحث عن النفط بين سيارات تتعثر في الرمال، وإبل تحمل الرجال والمعدات، وخرائط لم تكن ترسم من الصحراء إلا القليل.
لماذا اختيرت الجبيل؟
لم يكن اختيار الجبيل مقرًا للأعمال قرارًا محسومًا منذ البداية؛ فقد طُرحت الهفوف بوصفها موقعًا مناسبًا لوجودها في واحة كبيرة ومعروفة، كما جرى استطلاع القطيف وجزيرة تاروت وعدد من المواقع الأخرى.
لكن التجربة الميدانية أظهرت أن الجبيل أكثر ملاءمة لاحتياجات البعثة في تلك المرحلة. فقد كانت مدينة ساحلية تتمتع بأجواء أفضل نسبيًا، كما أن ميناءها سهّل وصول الرجال والمعدات والمؤن من البحرين، التي كانت تمثل أقرب قاعدة إمداد للشركة.
لذلك اختار بيرت ميلر الجبيل قاعدة رئيسة للعمل، مع الإبقاء على مكتب فرعي في الهفوف.
واستأجرت الشركة، عن طريق أسرة القصيبي، مجمعًا كبيرًا في الجبيل، عُرف في الذاكرة المحلية باسم «قصر برزان». كان المجمع يتكون من فناء واسع تحيط به الغرف من الداخل، وله بوابة كبيرة مقوسة، ومساحات مناسبة لحفظ المعدات والمؤن.
ومن هذا البيت بدأت الإدارة اليومية لعمليات الاستكشاف: إعداد الرحلات، واستقبال الفرق، وتخزين المعدات، ورسم الخرائط، ومراجعة الملاحظات التي يعود بها الجيولوجيون من الصحراء.
وبذلك أصبح بيت القصيبي في الجبيل أول قاعدة ميدانية مستقرة للشركة في المنطقة الشرقية، وأحد الأمكنة التي شهدت البدايات المبكرة لما سيصبح لاحقًا أكبر شركة طاقة في العالم.
من الجبيل بدأت خريطة النفط
خلال الأيام الأولى لوصولهما، تحرك ميلر وهنري من الجبيل باتجاه القطيف وتاروت والهفوف، ودرسا التكوينات الصخرية الممتدة على ساحل المنطقة الشرقية.
وفي 28 سبتمبر 1933م، أي بعد خمسة أيام فقط من وصولهما، وصلا إلى مجموعة من التلال الجيرية التي كانت تُعرف بجبل الظهران، ولاحظا وجود تركيب جيولوجي يستحق دراسة أكثر تفصيلًا. أطلق فريق الاستكشاف على ذلك التركيب اسم «قبة الدمام».
كانت الخرائط المتوافرة للمنطقة في ذلك الوقت محدودة الدقة، لذلك اعتمد الجيولوجيون على البوصلات والساعات وأجهزة المساحة والرسوم الميدانية، وعلى خبرة الأدلاء السعوديين في معرفة الطرق والآبار والكثبان والتضاريس.
ومع توسع العمل، أصبحت الجبيل نقطة مرجعية تُربط بها مسارات المسح. وانطلقت منها خطوط القياس شرقًا وغربًا وجنوبًا، ثم استُخدمت لاحقًا لتكوين شبكة من المسوحات الأرضية والجوية، وتصحيح مواقع كانت تظهر في الخرائط القديمة بفوارق تصل أحيانًا إلى عشرات الكيلومترات.
فالجبيل لم تكن محطة وصول عابرة، بل كانت المكان الذي بدأت منه عملية تحويل الصحراء إلى خريطة جيولوجية أكثر دقة.
الجبيل في ذاكرة أرامكو السينمائية
بعد أكثر من عشرين عامًا، عادت أرامكو إلى الجبيل لتبدأ منها روايتها السينمائية عن تاريخ المملكة وبدايات البحث عن النفط.
ففي فيلم «جزيرة العرب»، الذي أنتجته الشركة في خمسينيات القرن العشرين، تبدأ الأحداث بفتى يعتلي ناقته ويشير إلى الجبيل عند وصول بعثة الجيولوجيين إليها، قبل أن تنطلق رحلة البحث في الصحراء.
أخرج الفيلم ريتشارد لايفورد، وشارك فيه جيمس ستيوارت في دور رئيس الجيولوجيين «ماكس»، والإعلامي العربي عيسى صباغ في دور دليل الصحراء «خالد». واعتمد الإنتاج بصورة رئيسة على عدد من موظفي أرامكو، وصُورت مشاهده بين عامي 1953 و1955م في الجبيل والظهران والدمام والأحساء ومواقع أخرى.
وتعرّف مادة منشورة في «أرامكو لايف» الفتى الذي جسّد شخصية «حمد» بأنه ناصر بن مبارك المرشد الحوطي، الذي كان قد التحق بأرامكو في سن مبكرة، ثم عمل لاحقًا في إدارة الطيران. وقد كان والدي – رحمه الله -يذكر أن الفتى “حمد” المشارك في الفلم بأنه في عمره وعمل معه في ارامكو لاحقاً.
السعوديون شركاء في قراءة الصحراء
لم تكن عمليات الاستكشاف جهدًا أجنبيًا منفصلًا عن المجتمع المحلي؛ فقد اعتمدت الفرق منذ أيامها الأولى على دعم الحكومة السعودية وعلى الأدلاء والسائقين والحراس والعمال والمترجمين من أبناء البلاد.
كان محمد علي الطويل من أوائل من استقبلوا الجيولوجيين وساعدوهم على بدء أعمالهم، كما أسهم أمير الجبيل وأهالي المدينة في تيسير إقامتهم وحركتهم. ورافقت الفرق الميدانية مجموعات من الأدلاء والجنود والسائقين وعمال القوافل، الذين وفروا الحماية والإمداد والمعرفة المحلية.
ومن أبرز هؤلاء خميس بن رمثان العجمي، الذي عُرف بقدرته الاستثنائية على قراءة الصحراء ومعرفة اتجاهاتها ومسافاتها وآبارها ومسالكها. رافق فرق الاستكشاف في مراحلها الأولى، ثم التحق رسميًا بأعمال الشركة عام 1934م، وأصبح من أهم الأدلاء الذين اعتمد عليهم الجيولوجيون.
كان يستطيع تحديد الاتجاهات والمسافات من دون خرائط حديثة، مستعينًا بمواقع النجوم وأشكال الكثبان ولون التربة ومعرفته المتوارثة بالأرض. وقد تكاملت خبرته مع المعرفة الجيولوجية، لتتكون شراكة بين العلم الحديث والخبرة المحلية كان لها أثر بالغ في نجاح الاستكشاف.
لذلك فإن رواية البدايات لا تكتمل بذكر الجيولوجيين وحدهم؛ بل تشمل كذلك أبناء البلاد الذين فتحوا الطرق، وحددوا مواقع المياه، وقادوا القوافل، ورافقوا الفرق إلى مناطق لم يكن الوصول إليها ممكنًا من دونهم.
أول طائرة للشركة تهبط في الجبيل
أدركت الشركة مبكرًا أن مساحة الامتياز، التي تجاوزت 300 ألف ميل مربع، لا يمكن مسحها بالسيارات والإبل وحدها، فقررت استخدام طائرة مجهزة للتصوير والاستطلاع الجوي.
وقع الاختيار على طائرة من طراز «فيرتشايلد 71»، جرى تعديلها لتتحمل الرحلات الطويلة والهبوط على الأراضي الرملية، وزُودت بخزان وقود إضافي ونوافذ وفتحات مخصصة للتصوير الجوي، إلى جانب إطارات كبيرة تساعدها على الهبوط في الصحراء.
شُحنت الطائرة من نيويورك في 6 فبراير 1934م، ثم وصلت إلى الإسكندرية، ومنها طار بها الجيولوجي والطيار ديك كير ومساعده تشارلي روشيفيل عبر القاهرة وغزة وبغداد والبصرة، وصولًا إلى ساحل الجبيل في مارس 1934م.
وكان الفريق قد جهّز مهبطًا ترابيًا قرب المدينة. إلا أن وصول الطائرة قبل اكتمال الإذن الرسمي أدى إلى توقيف قائديها مؤقتًا بأمر أمير الجبيل، والتحفظ على الطائرة حتى وصلت التوجيهات الحكومية التي سمحت باستخدامها.
وفي 30 مارس 1934م بدأت الطائرة أولى رحلاتها الاستطلاعية، فحلقت على امتداد الساحل وفوق رأس تنورة وتاروت وقبة الدمام، ثم توسعت رحلاتها باتجاه مناطق أخرى.
أتاحت الطائرة للجيولوجيين رؤية التضاريس من الأعلى، والتقاط الصور، وربط الخرائط الأرضية بمسارات جوية متوازية. وقد قطعت في أعمال الاستطلاع والتصوير عشرات الآلاف من الأميال، وأسهمت في اختصار أشهر من العمل الميداني.
ومن هنا بدأت في الجبيل كذلك البدايات الأولى لطيران الشركة، قبل أن يتوسع لاحقًا ليصبح أحد القطاعات المهمة في أعمال أرامكو.
حياة صعبة في مقر الجبيل
لم تكن الحياة في المقر الأول مريحة. فقد كان المجمع في بداياته يفتقر إلى الكهرباء والمياه الجارية والتبريد والثلاجات والمراوح، وكان أعضاء الفريق ينامون أحيانًا فوق السطح للاستفادة من هواء الخليج ليلًا.
أما الطعام فكان محدودًا، ويتكرر غالبًا بين الأرز ولحم الضأن المسلوق والتمر، في وقت كانت فيه بعض المؤن المستوردة متوقفة في الجمارك بسبب خلاف حول الرسوم، قبل أن تصل توجيهات وزير المالية عبدالله السليمان بالسماح بدخولها وفقًا لاتفاقية الامتياز.
ومع وصول المعدات، بدأ الفريق في إجراء تحسينات داخل المقر؛ فركب مولدات كهربائية، وأنشأ خزانات ومرافق للاستحمام، واستخدم الشباك لمقاومة الذباب، وصنع جهازًا لتقطير المياه، وجهز مختبرًا بدائيًا لتحميض أفلام التصوير الجوي.
كانت تلك الحلول بسيطة بمقاييس اليوم، لكنها تمثل البذور الأولى للبنية التشغيلية والتقنية التي توسعت منها الشركة لاحقًا.
بوابة أول مكتب…
تحتفظ أرامكو بصورة أرشيفية نادرة، متداولة بالرقم «D-16453»، يظهر فيها مدخل أحد مكاتب الشركة في الجبيل خلال ثلاثينيات القرن العشرين.
وتُظهر الصورة الباب الخشبي وإطاره الجصي المزخرف قائمين، بينما تهدّم معظم المبنى والسور المحيط به. كما يظهر العقد المعماري والنقوش الجصية التي كانت تميز بوابة المقر.
متى انتقل مركز العمل إلى الظهران؟
لم يكن انتقال مركز العمل من الجبيل إلى منطقة قبة الدمام قرارًا حدث في يوم واحد؛ بل كان تحولًا تدريجيًا فرضته نتائج المسح.
فمنذ الأيام الأولى، أدرك الجيولوجيون أهمية التكوينات التي سموها «قبة الدمام»، وأقيمت مخيمات ميدانية بالقرب منها لإجراء الدراسات التفصيلية. ومع بدء أعمال الحفر عام 1935م، أصبح من الطبيعي أن تنتقل المعدات والفرق التشغيلية تباعًا إلى جوار مواقع الآبار.
تحولت تلك المخيمات تدريجيًا إلى مركز دائم للعمل، ونشأت حولها الظهران بوصفها المقر الرئيس للشركة. وفي مارس 1938م تدفق النفط بكميات تجارية من بئر الدمام رقم 7، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ المملكة.
لكن انتقال مركز الثقل إلى الظهران لا يلغي ما سبق ذلك؛ فالخرائط والرحلات والمسوحات التي قادت إلى اختيار مواقع الحفر كانت قد بدأت من مقر الجبيل.
ولم يكن من المصادفة أن تستهل أرامكو فيلمها التاريخي «جزيرة العرب» بمشهد الجبيل؛ فهي المكان الذي انطلقت منه رحلة البحث عن النفط على أرض الواقع.
الجبيل في الرواية الوطنية للنفط
تكمن أهمية استعادة هذه المرحلة في إعادة وضع الجبيل في مكانها الصحيح ضمن الرواية الوطنية لتاريخ النفط.
فلا يصح القول إن النفط اكتُشف في الجبيل، لأن الاكتشاف التجاري تحقق في بئر الدمام رقم 7. لكن من غير الدقيق أيضًا اختزال القصة في لحظة تدفق النفط، وتجاهل السنوات السابقة التي بدأت بوصول الجيولوجيين إلى ميناء الجبيل.
كانت الجبيل بوابة الدخول، ومقر التخطيط، وقاعدة الإمداد، ونقطة انطلاق المسوحات البرية والجوية. ومنها خرجت الفرق التي درست قبة الدمام، ورسمت الخرائط، وحددت التكوينات، ومهّدت لمرحلة الحفر.
ومن المفارقات التاريخية الجميلة أن المدينة الصغيرة التي رآها الجيولوجيون عام 1933م ميناءً للغوص وصيد اللؤلؤ، أصبحت بعد عقود واحدة من أكبر المدن الصناعية في العالم، وموطنًا لصناعات تعتمد على النفط والغاز الذي بدأت رحلة البحث عنه من شاطئها.
إن حفظ مقر الشركة الأول، أو تحديد موقعه، وتوثيق ما بقي من صوره وبوابته، وإبراز مهبط الطائرة ومسارات فرق الاستكشاف؛ ليست مجرد عناية بذكريات محلية، بل هي حفظ لفصل مهم من التاريخ الاقتصادي والصناعي للمملكة.
فالجبيل لم تكن هامشًا في قصة النفط، وإنما كانت مقدمتها.
لقد كان الاكتشاف في الظهران، ولكن رحلة البحث بدأت من الجبيل.
رابط فيلم “جزيرة العرب”:
——————-
المصادر والمراجع
* أرامكو وورلد: الطليعة في الجبيل – Vanguard at Jubail
* والاس ستغنر: قصة أرامكو – الفصل الثالث: قاعدة الانطلاق
* والاس ستغنر: قصة أرامكو – الفصل الرابع: الطائرة
* أرامكو وورلد: العين الجوية – Aerial Eye
* أرامكو: خميس بن رمثان ودوره في اكتشاف النفط
* أرامكو لايف: فيلم «جزيرة العرب»
* إثرائيات – إثراء: عندما تتحدث الأبواب
* أرامكو: تاريخ الشركة







