من صواريخ حرب الخليج إلى تحديات اليوم.. السعودية أقوى من أزماتها

بعد الاعتداءات الأخيرة على مطار الرياض.. تاريخ المملكة وقدراتها اليوم يرويان قصة دولة بنت قوتها عبر عقود، تعرف متى تصبر، ومتى تحزم، وتمتلك من المؤسسات والقدرات والمكانة ما يحفظ أمنها واستقرارها ومسيرتها.
ليست قوة الدول في ألا تتعرض للأزمات، ولا في أن تبقى بعيدة عن التهديدات في عالم مضطرب؛ بل في أن تكون أكبر من الأزمة، وأصلب من أن تغير الأحداث الطارئة مسارها.
وهذه حقيقة أثبتتها المملكة العربية السعودية في أكثر من محطة من تاريخها الحديث.
فالاعتداءات الأخيرة التي طالت مطار الملك خالد الدولي بالرياض من قبل الميليشيا الحوثية، وما رافقها من استنفار للجهات المختصة للتعامل مع آثارها وحماية المدنيين والمرافق، تمثل حدثًا مؤلمًا، لكنها لا تختصر المشهد السعودي، ولا تعكس وحدها حجم الدولة التي تواجهه.
الصورة الأكبر هي لمملكة راكمت على مدى عقود قوة سياسية واقتصادية وعسكرية ومؤسسية، وبنت بنية تحتية واسعة، واستثمرت في الإنسان والتقنية والأمن والدفاع، وأصبحت اليوم في موقع مختلف كثيرًا عن كل المراحل السابقة التي واجهت فيها أزمات كبرى.
«الأحداث قد تكون كبيرة.. لكن الدول القوية أكبر من أحداثها»
تاريخ يقول إن المملكة تعرف كيف تواجه
قبل أكثر من ثلاثة عقود، كانت المنطقة في قلب واحدة من أخطر حروبها الحديثة.
خلال حرب تحرير الكويت عام 1991، تعرضت مدن سعودية لهجمات صاروخية، وعاشت المنطقة حالة عسكرية استثنائية، فيما كانت المملكة تؤدي دورًا محوريًا في مواجهة الأزمة.
انتهت الحرب، وبقيت السعودية
ولم تكتفِ بالبقاء؛ بل أمضت العقود التالية في بناء المزيد من المدن والمطارات والطرق والموانئ والمستشفيات والجامعات والصناعات، وتطوير قواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية، وتوسيع اقتصادها وعلاقاتها الدولية.
وما كان تحديًا كبيرًا في مرحلة من تاريخها، أصبح لاحقًا خبرة تضاف إلى خبرات الدولة.
وهذا نمط تكرر في محطات أخرى.
الإرهاب حاول ضرب الداخل.. فخرجت المملكة أكثر صلابة
في مطلع الألفية، واجهت المملكة واحدة من أصعب موجات الإرهاب التي عرفتها المنطقة.
استهدفت الاعتداءات مجمعات سكنية ومنشآت ومواقع أمنية واقتصادية، وكان الهدف يتجاوز المكان المستهدف إلى محاولة المساس بأمن المجتمع واستقرار الدولة.
لكن المواجهة السعودية لم تكن ردة فعل مؤقتة.
عملت الأجهزة الأمنية على مدى سنوات على تفكيك التنظيمات والشبكات الإرهابية وإحباط مخططاتها، بالتوازي مع تطوير القدرات الاستخباراتية والأنظمة وآليات مكافحة تمويل الإرهاب والتطرف.
وانتهت تلك المرحلة إلى نتيجة مهمة:
لم ينجح الإرهاب في تغيير مسار المملكة؛ بل أسهمت التجربة في بناء منظومة أمنية أكثر خبرة وقدرة على مواجهة التهديدات.
«المملكة لا تبدأ من الصفر عند كل أزمة؛ كل تجربة سابقة تصبح جزءًا من قوتها في التجربة التالية»
السعودية تعرف الصبر.. وتعرف الحزم
وعبر تاريخها الحديث، لم تكن المملكة دولة تبحث عن المواجهات أو تتعامل مع كل أزمة برد الفعل نفسه ، فللدول الكبرى حساباتها.
هناك وقت للدبلوماسية، ووقت لضبط النفس، ووقت لاحتواء التصعيد، كما أن هناك لحظات يصبح فيها الحزم ضرورة لحماية الأمن والمصالح.
وفي مارس 2015، عندما اتخذت القيادة السعودية قرار إطلاق عملية «عاصفة الحزم» استجابة لطلب القيادة اليمنية الشرعية آنذاك، انتقلت المملكة إلى عملية عسكرية واسعة بقيادتها ومشاركة عدد من الدول العربية.
كانت الرسالة في ذلك الوقت واضحة في مضمونها السياسي والعسكري: عندما ترى المملكة أن أمنها ومصالحها تستدعيان قرارًا حاسمًا، فإنها تمتلك القدرة على اتخاذه وتنفيذه.
ومن هنا، فإن الصبر السعودي لا ينبغي أن يُقرأ ضعفًا، كما أن ضبط النفس لا يعني غياب خيارات الرد.
فالقرار في دولة تمتلك قدرات سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة لا يُقاس فقط بسرعة اتخاذه، بل بحساباته وتوقيته وأهدافه.
«قد تصبر المملكة لأن الصبر قرار، وقد تضبط النفس لأن ضبط النفس قوة؛ لكنها أثبتت في محطات تاريخية أنها تعرف الحزم عندما يستدعي أمنها ذلك»
قوة لا تختصرها القدرات العسكرية
لكن قوة المملكة اليوم أكبر من أن تُختزل في قدرتها العسكرية وحدها.
فخلف القرار السياسي دولة بمؤسساتها.
وخلف القوات المسلحة منظومة أمنية ودفاعية وصناعية ولوجستية.
وخلف المطار شبكة واسعة من الطيران والنقل والاتصالات والصحة والطوارئ والخدمات.
وخلف الاقتصاد منظومة من الطاقة والصناعة والاستثمار والتجارة والخدمات اللوجستية والتقنية.
وهذه المنظومات هي التي تمنح الدولة قدرتها على الاستمرار عندما تأتي الظروف الاستثنائية.
فقد يتأثر مرفق، وتتغير حركة تشغيلية بصورة مؤقتة، وتستنفر أجهزة الدولة لمواجهة حدث طارئ؛ لكن الفارق كبير بين تأثر منشأة وبين تعطل دولة.
والسعودية بَنَت خلال عقود من البدائل والقدرات والمؤسسات ما يجعل التعامل مع الأزمات مسؤولية منظومة كاملة، لا منشأة منفردة.
بقيق وخريص.. شاهد يكفي
وفي سبتمبر 2019، عندما استهدفت الاعتداءات منشأتي بقيق وخريص، بدا في الساعات الأولى أن العالم أمام أزمة كبيرة في إمدادات الطاقة.
لكن أرامكو استعادت جزءًا مهمًا من الإنتاج خلال أيام، ثم أعادت قدراتها، مستندة إلى الكفاءات وخطط الطوارئ والقدرات التشغيلية التي بُنيت قبل الهجوم.
وليس المقصود هنا سرد قصة أرامكو بقدر ما تمثله تلك الحادثة من مثال على مفهوم أوسع:
ما تحتاجه الدولة في ساعة الأزمة يجب أن تبنيه قبل الأزمة بسنوات.
وهذا تحديدًا ما فعلته المملكة في قطاعات متعددة.
كورونا.. والعالم رأى وجهًا آخر للقوة
ثم جاءت جائحة كورونا في 2020 لتكشف أن صلابة الدول لا تختبرها الحروب وحدها.
كان العالم أمام أزمة صحية واقتصادية غير مسبوقة، وفي الوقت نفسه كانت المملكة تتولى رئاسة مجموعة العشرين.
أدارت الدولة استجابتها الداخلية، واستمرت الخدمات الأساسية، وفي ذروة الأزمة قادت المملكة القمة الاستثنائية لقادة مجموعة العشرين، ثم واصلت رئاستها للمجموعة حتى قمة الرياض.
ومع انحسار الجائحة، لم تدخل المملكة مرحلة انتظار طويلة؛ بل استمرت مشاريع رؤية السعودية 2030 وتسارعت التحولات في السياحة والصناعة والخدمات اللوجستية والتقنية والبنية التحتية.
مرة أخرى، مرت الأزمة واستمر المسار.
المملكة اليوم أقوى مما كانت عليه في أزمات الأمس
وهذه نقطة جوهرية عند قراءة أحداث اليوم ، فالسعودية التي تواجه التحديات في 2026 ليست السعودية التي واجهت صواريخ حرب الخليج عام 1991.
وبين المرحلتين أكثر من ثلاثة عقود من البناء.
اليوم، المملكة عضو في مجموعة العشرين، وصاحبة أحد أكبر الاقتصادات في العالم، وفاعل رئيسي في أسواق الطاقة، ودولة ذات ثقل سياسي ودبلوماسي إقليمي ودولي، وتملك بنية تحتية ومؤسسات وقدرات دفاعية وأمنية وتقنية تطورت بصورة كبيرة.
كما أن رؤية السعودية 2030 أضافت خلال العقد الأخير طبقة أخرى من التحول؛ بتنويع الاقتصاد، وتوسيع القطاعات غير النفطية، وتطوير الصناعات والخدمات اللوجستية والسياحة والتقنية، واستقطاب الاستثمارات والمشاريع العالمية.
ولهذا، فإن تقييم قدرة المملكة على مواجهة أزمة جديدة لا يبدأ من حجم الحدث وحده، بل من حجم الدولة وقدراتها التي تقف في مواجهته.
«السعودية التي واجهت أزمات الأمس وخرجت منها، تواجه أحداث اليوم بقدرات أكبر وخبرة أوسع ومؤسسات أكثر تطورًا»
مكانة تمنح المملكة خيارات واسعة
كما أن قوة المملكة لا تُقرأ من الداخل فقط.
فموقعها في قلب العالمين العربي والإسلامي، وثقلها الاقتصادي، ودورها في استقرار أسواق الطاقة، وعضويتها في مجموعة العشرين، وعلاقاتها الدولية الواسعة، تمنحها وزنًا يتجاوز حدودها الجغرافية.
وهذا الوزن السياسي والاقتصادي والدبلوماسي جزء من عناصر القوة الشاملة للدولة.
فالدول المؤثرة لا تعتمد على أداة واحدة؛ لديها الدبلوماسية والاقتصاد والعلاقات الدولية، ولديها المؤسسات الأمنية والدفاعية، ولديها القدرة على بناء التحالفات وحماية مصالحها.
ولهذا تملك المملكة مساحة واسعة في إدارة الأزمات: أن تتحرك سياسيًا حين يكون التحرك السياسي أكثر فاعلية، وأن تستخدم أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية، وأن تتخذ إجراءات أكثر حزمًا عندما يستدعي أمنها ذلك.
ليست قوة لحظة.. بل قوة دولة
ربما يكون الخطأ الأكبر في قراءة الأزمات هو النظر إلى ساعات الحدث ونسيان العقود التي سبقته.
فما نراه اليوم من مؤسسات وقدرات لم يظهر بعد الاعتداء على مطار الرياض بل بُني قبله.
بُني عبر عقود من الاستثمار في القوات المسلحة والأمن والطيران والصحة والاتصالات والطاقة والنقل والموانئ والمطارات والطرق والتعليم والتقنية.
وتراكمت معه خبرة دولة تعاملت مع حرب وإرهاب وهجمات على منشآت حيوية وجائحة عالمية وتقلبات اقتصادية وأزمات إقليمية متلاحقة.
ولهذا فإن قوة المملكة ليست رد فعل على أزمة ، إنها قوة دولة.
الأزمات تمر.. والسعودية تستمر
من صواريخ حرب الخليج، إلى مواجهة الإرهاب، ومن بقيق وخريص إلى كورونا، وصولًا إلى أحداث اليوم، تغير شكل التحدي في كل مرة.
لكن المملكة استمرت.
استمرت مؤسساتها.
وتطورت قدراتها.
ونما اقتصادها.
واتسعت بنيتها التحتية.
وتعزز حضورها الدولي.
ومضت مشاريعها إلى الأمام.
واليوم، عندما تواجه المملكة اعتداءات جديدة، فإنها لا تواجهها بدولة أضعفتها أزمات الماضي، بل بدولة صنعت من تجارب الماضي خبرة إضافية، ومن سنوات الاستقرار بناءً إضافيًا، ومن التنمية قدرات أكبر.
وإذا كان تاريخ المملكة يقدم درسًا، فهو أن الصبر السعودي ليس عجزًا، والحكمة ليست ترددًا، وضبط النفس ليس ضعفًا.
فالمملكة تعرف قيمة السلام والاستقرار، لكنها تعرف كذلك قيمة أمنها وسيادتها، وتمتلك من عناصر القوة ما يمنح قيادتها خيارات واسعة في حماية البلاد ومصالحها.
«قد تمر الأزمات على المملكة، لكنها لا تحدد مسارها؛ فمسار السعودية تصنعه دولة تعرف كيف تبني، وكيف تصبر، وكيف تحزم عندما يحين وقت الحزم»
الأحداث تمر.. أما المملكة فتمضي إلى الأمام .





